محمد المقداد الورتتاني
329
البرنس في باريس
نحو العشرين تحت الصفر ، وتجمد دماء كثير من أبنائها المعتادين بها ، فيموتون وتسقط أعضاؤهم وأسنانهم منه . سمعتهم يعبرون عنه بالفصل المبغوض تذمرا مما يلاقونه فيه . وكثرة الإقامة في فرانسا تستدعي إنفاقا أكثر من المعتاد ، فالمصاريف في باريز لا تتجاوز عشرين فرنكا يوميا على شرط الاعتدال في السكن والمأكل والمركب والنزهة . ومن أراد أن يصرف أكثر من ذلك فلا يجد حدا يقف عنده ولا بغية تخطر بباله يعوزه أمرها ما دام متساهلا في بذل المال . 3 . « الجغرافيا والتاريخ » قد انتفعت بهاذين العلمين في السفر والجغرافيا دليل الغريب والتاريخ مفتاح كلامه ، وهل يستفيد الدخيل بدون مفتاح أو دليل ؟ ومن درس التاريخ عرف نسبه لآدم . وقرابته من عائلات العالم . والجهل بالنسب والعائلة نوم في حياة الوجود ، وتفريط في أمر محمود . وجدت أهالي فرانسا يستغربون معرفة التونسي للتاريخ والجغرافيا ، وليس الاستغراب من جهة ذات التونسي لأنهم يعلمون ذكاء أبناء المملكة التونسية ومقدرتهم على تحصيل العلوم والنبوغ فيها من قديم الزمان ، والفرنساويون أهل إنصاف وإذعان للحجة الصحيحة . كما لا يجهلون أن مثل هاته العلوم قد بلغ فيها العرب أقصى درجة يمكن الوصول إليها في تلك العصور التي أناروها بالمعارف في آسيا وإفريقيا وغربي أروبا « الأندلس » . فتاريخ ابن خلدون هو عمدة المؤرخين في جميع اللغات إلى الآن ، وقد مضت على قواعده خمسة قرون ، وهو الذي اعتنى بذكر أسباب الحوادث والانقلابات وعللها ، وقد أغفلها كثير من المؤرخين . كما ابتكر هذا الفيلسوف ما لم يسبقه واخترع بقلمه ما دل على سعة تبحره في علوم اللغة والتاريخ والاجتماع والسياسة فالناس عالة على كتابه فيما لا يوجد بسواه ، ويغبطونه على ما آتاه الله . وإليك مذاهب المؤرخين الأروباويين في أسباب وعلل الحوادث : فمذهب تيارس الفرنساوي في التاريخ أن كل التأثير في الوقائع التاريخية والحوادث لعلل طبيعية وأسباب خفية لا نرى أفاعيلها المختلفة ، نعم للإنسان تأثير على ذلك ضعيف للغاية . بخلاف مذهب من يرى أن الحوادث لا علة لها وإنما هي طبيعية بحتة . وثالث الآراء يذهب إلى أن لها عللا وأسبابا كلها في عهدة الإنسان . والأول أحسن المذاهب لأن للإنسان أثرا ما في نتائج الأفكار وظهور الحوادث ، وقد تساعد